هشام جعيط
307
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
صرح بذلك سيف وروى عنه الطبري بالنسبة للبصرة في العصر الأولي « 1 » . أما فيما يتعلق بالكوفة ، فقد ورد خبر هام « 2 » مفاده ما يلي : « أمر علي الناس أن يخرجوا بسلاحهم فخرجوا إلى المسجد حتى امتلأ بهم » . وكان ذلك سنة 37 ه ، أو 38 ه ، بعد وقعة صفين ولما بلغ خطر الخوارج أشده ، فوبخهم علي لدخولهم المسجد حاملي السلاح ، معتدين بذلك على حرمته ، وأمرهم أن « يذهبوا إلى جبانة مراد » فأطاعوه . فكان علي أول من بادر بجعل الجبانة مكانا لحشد كافة الناس لا قبيلة معينة ، لأن الجبانة كانت أكثر اتساعا ، أو أنها كانت موجودة على طريق حروراء . هكذا وفي مثل هذا الوقت الذي كانت صبغته استعجالية ، استنفر أهل الكوفة لكن لم يعرفوا مكانا يتجمعون فيه داخل مدينتهم لأن الجبانات لم تكن موظفة بعد لمثل هذا الأمر « 3 » على ما يبدو . إن عليا هو الذي شرع في إضفاء دور عسكري على الجبانات بنيّة القيام بعمليات داخلية أو لتنظيم تجمعات عاجلة . ذلك أنه لم تظهر أية رواية تتعلق بفترة سابقة باستثناء الرواية الغامضة الخاصة بمقبرة بني حصن في البصرة « 4 » والمتعلقة بأحداث جرت سنة 36 ه قبل وقعة الجمل . لقد ارتبطت هذه الظاهرة هنا وهناك بأمر استثنائي غير متوقع ، وبجو الحرب الأهلية . فكان الرجال والقادة يبحثون عن أمكنة داخلية للتجمع : منها المسجد في الكوفة ودار الرزق في البصرة وجبانة مراد ، ومقبرة بني حصن . وارتجلت القرارات انطلاقا من اختيار معقلن قائم على القابلية الطبيعية للجبانات ، لكي تحوي عددا كبيرا من الأشخاص . فقامت منذ ذلك الوقت بدور استراتيجي وأبقت عليه ، وتخصصت حسب القبائل أو مجموعات القبائل وارتبط الأمر دائما بالاضطرابات الداخلية ، بجو الدراما والطوارىء : قضية حجر بن عدي ( 51 ه ) ثورة المختار ( 66 ه ) ، انتفاضة الأشراف ( 66 ه ) ، دخول مصعب ( 67 ه ) ، ثورة زيد بن علي ( 122 ه ) . واستخدمت الجبانات في كافة هذه الحالات من قبل القوات الثائرة كما من قبل قوات السلطة الحاكمة ( زياد وابن مطيع والمختار نفسه ومصعب ) . وإن بدا أن الولاة الأمويين عند قيام الثورات فضلوا المسجد مكانا للتجمع ، فذلك لكي يفكوا التعبئة فعلا ، لا لكي يقوموا بها ، بمعنى أن هدفهم كان دفاعيا . في حين كانت الجبانات تستخدم للعمل الهجومي ، أو لرد الهجوم ، وفي الجملة القيام بثورة أو للعمل على مقاومتها . أما عن نقاط تجمع الحشود النظامية ( الأرباع ) التي تحشدها السلطة وتشرف عليها ، تأهبا للحملات السنوية في اتجاه العالم الإيراني ، فقد استمر اختيارها خارج المدينة . ولم تقم فيها الجبانات بأي دور ، حتى ولو
--> ( 1 ) الطبري ، ج 3 ، ص 586 و 623 . ( 2 ) الطبري ، ج 5 ، ص 91 . ( 3 ) المحتمل أيضا أنه كان حشدا لكل القبائل وأن الجبانة كانت ملكا لقبيلة واحدة وهذه حجة لا ينبغي استبعادها . ( 4 ) الطبري ، ج 4 ، ص 466 .